عادل حمودة
كتب
عادل حمودة
Advertisements

عادل حمودة يكتب: حادث الكيلو 151 يجدد اعتراف العالم بأهمية قناة السويس

Advertisements

الخطة الأمريكية لشق قناة إسرائيلية بديلة ستحتاج إلى متفجرات تعادل 520 قنبلة نووية من طراز هيروشيما 

نظرية المؤامرة دفعت جماعة «كيو أنون» المتطرفة المساندة لترامب للربط بين هيلارى كلينتون وحادث السفينة «إيڤر جيڤين» 

الدوحة عرضت مساعدات مادية للإسراع بعملية التعويم حتى لا تستولى شركات الغاز الروسية على حصتها من السوق الأوروبية


ليست القناة شباك تذاكر نقف خلفه

وليست شاطئا سياحيا نسبح فى مياهه

إنها بعض جيناتنا الوطنية

ورثناها جيلا بعد جيل

فى غرفة تحت الأرض بخمسين مترًا دعت وكالة المخابرات المركزية «الأمريكية» مجموعة خبراء فى الجيوبولتيك «الجغرافيا السياسية» وعلماء فى التفجير النووى وجنرالات فى البنتاجون ومستثمرون فى النقل البحرى لمناقشة خطة حفر قناة إسرائيلية بديلة لقناة السويس.

القناة البديلة تبدأ من خليج العقبة وتشق البحر الميت عبر صحراء النقب حتى تصل إلى البحر المتوسط وتفتح منفذا إلى البحر الأحمر والمحيط الهندى.

حدث ذلك فى ستينيات القرن الماضى حسب وثيقة أمريكية نزعت عنها السرية فى عام 1969.

المفاجأة غير المتوقعة أن حفر القناة الإسرائيلية حسب فضائية الحرة كان سيحتاج إلى متفجرات تعادل 520 قنبلة نووية من طراز هيروشيما.

كان هدف إسرائيل اختصار المسافات الطويلة التى تقطعها سفنها لحرمانها من المرور فى قناة السويس إلى جانب تحقيق عائدات مالية سخية.

أما هدف الولايات المتحدة فكان تخفيف الدور الاستراتيجى المؤثر الذى لعبته قناة السويس فى سنوات الحرب الباردة لصالح الاتحاد السوفيتى المتحالف مع مصر.

لم تنفذ الخطة الأمريكية ولم تشق القناة البديلة ولكن مازالت هناك خطط أخرى تسعى إلى تحقيق الأهداف ذاتها وإن اختلفت تفاصيلها ومصادر تمويلها وربما لذلك السبب سيطرت على البعض نظرية المؤامرة واعتبر حادث السفينة «إيفر جيفين» حادثا مدبرا بفعل فاعل.

تمكنت نظرية المؤامرة من جماعات أمريكية يمينية متطرفة على رأسها جماعة «كيو أنون» التى تساند ترامب ضد الدولة العميقة بكل ما فيها من فساد سياسى وشذوذ جنسى.

اتهمت تلك الجماعة هيلارى كلينتون بالاتجار فى البشر وربطت بين اسمها السرى فى المخابرات الأمريكية «أتش آر سى» واستغاثة السفينة «إيفر جيفين» التى كانت من الحروف نفسها وزعمت أن السفينة غطاء للجنس والاتجار بالبشر ولو فتشنا السفينة سنجد ما يثبت ذلك.

ولكن ما نشر من تقارير متعددة المصادر ينفى ذلك تماما ويجمع على أن السفينة تعرضت إلى عاصفة رملية سرعتها 40 عقدة أفقدتها الرؤية والسيطرة على نفسها فانحرف جسمها واستدار حتى سد المجرى الملاحى عند الكيلو «151» بالقرب من السويس وعجزت محركات السفينة عن تحريرها.

لم يكن الحادث الأول من نوعه.

فى 25 فبراير 2016 جنحت ناقلة البضائع «نيو كاترينا» وفى 28 إبريل من نفس العام جنحت سفينة الحاويات «أم أس سى فابيوتا» وفى 17 يوليو 2018 جنحت سفينة الحاويات «أسينسا» إلا أن هيئة القناة نجحت بما تملك من خبرة ومعدات فى تعويمها دون تعطيل السفن الأخرى.

لكن السفينة « إيفر جيفين» حكاية أخرى.

واحدة من أكبر سفن الحاويات فى العالم.. تمتلكها شركة «كيسن كيشا» اليابانية.. تستأجرها وتديرها شركة شحن تايوانية «أيفر جيفين ماركين».. مسجلة فى بنما.. وتتحمل مسئوليتها الفنية شركة ألمانية «بنهارد شولد».

طولها 400 متر «أربع ملاعب كرة قدم» وعرضها 59 مترا وحمولتها 224 ألف طن إنها جبل عائم ثقيل يصعب عليه حفظ توازنه وعندما دفعت بها العاصفة إلى الرمال بدت كحوت ضخم يحتاج جهدا عاليا لإعادته إلى المياه.

تقدمت ثمانى دول للمساعدة فى أول يومين بعد الحادث وعرضت الولايات المتحدة تدخل المعدات الثقيلة القادرة على تحريك حاملات الطائرات فى الأسطول الخامس الذى يتخذ من المياه الدولية أمام البحرين قاعدة له ولكن مصر طالبت بمنح شركة « سميث سالفدج» الهولندية فرصتها وإن بقيت خطة البحرية الأمريكية جاهزة تحت الطلب فى انتظار إشارة من القاهرة.

وشركة سميث سالفدج متخصصة فى عمليات إنقاذ السفن وشفط المواد الخطرة منها وتوفر خدماتها فى 90 ميناء فى 36 بلدًا ولديها مراكز للتدخل السريع فى روتردام وسنغافورة والكاب.

نجحت الشركة فى انتشال حطام الغواصة النووية الروسية كورسك التى غرقت فى عام 2000 خلال مناورات فى بحر بارنتس وشفطت 2200 طن وقود من 17 خزانًا فى السفينة السياحية كوستا كونكورديا التى جنحت عام 2012 قبالة الشواطئ الإيطالية وشاركت فى إنقاذ ناقلة النفط برسيتيج التى غرقت عام 2002 قبالة السواحل الإسبانية ومؤخرا «سبتمبر 2020» ساهمت فى إخماد حريق اندلع على متن ناقلة النفط نيو دايمند قبالة سواحل سريلانكا.

ولكن مؤكد أن حالة «إيفر جيفين» أصعب كثيرا ولكنها تشبه حالة السفينة التى علقت فى منطقة رمال قرب هامبورج «ألمانيا» وتطلبت عمليات إزاحتها 12 رافعة كبيرة.

ومنذ أن حدث ما حدث يوم 23 مارس والعالم يصلى كى تعود الملاحة فى القناة إلى طبيعتها السهلة وإلا تكاثرت الآثار الجانبية الصعبة على اقتصادياته وأمنه ومستويات معيشة سكانه.

فى اليوم الواحد يمر من القناة 13 مليون برميل نفط «واحد على عشرة من الاستهلاك العالمى» فلم تكن مفاجأة أن ارتفع سعر النفط سريعا بعد ساعات من الحادث.

وتأثر الغاز القطرى المرسل سائلا إلى أوروبا فى سفن تعبر القناة تأثرا واضحا ما جعل الدوحة تعرض مساعدات مادية للإسراع بعملية تعويم السفينة الجانحة حتى لا تستولى شركات الغاز الروسية «مثل شركة غاز بروم» على حصتها من السوق هناك.

ولكن خارج أوروبا تصدر روسيا 546 ألف برميل فى ناقلات متوسطة عبر القناة والكمية تساوى خمسة فى المائة من إنتاجها.

ويمر حوالى 12 فى المائة من التجارة العالمية عبر القناة ويتسبب تأخرها فى خسارة تقترب من عشرة مليارات فى اليوم الواحد «400 مليون دولار فى الساعة».

التأخر يؤثر فى أسعار كافة السلع المنقولة بين القارات عبر القناة: من حبوب الطعام إلى لحم الماشية ومن أدوية العلاج إلى ورق التواليت ومن قطع غيار المصانع إلى مواد البناء ومن الزيوت المهدرجة إلى الزبد الطبيعية مثلا.

وفى حالات الطوارئ تبادر الشركات المنتجة عادة بزيادة أسعارها بنسبة «12 إلى 22 فى المائة» تواجه بها المخاطر المتوقعة إذا ما غيرت المسار من قناة السويس إلى رأس الرجاء الصالح مما يزيد من أعباء المستهلك الفقير ويهدد بانفجارات اجتماعية تسبب فوضى سياسية.

وفى اليوم التالى لحادث السفينة ارتفع سعر شحن الحاوية الواحدة من الصين إلى أوروبا إلى 8000 دولار ما يساوى أربعة أضعاف سعر العام الماضى.

تحدد الميديا الغربية والأمريكية أهمية قناة السويس فى أنها منذ اكتمل حفرها وتشييدها فى عام 1869 تعد واحدة من أهم المعابر المائية فى العالم.. بوابة بين الشرق والغرب.. الموقع الوحيد الذى يربط مياه أوروبا مباشرة ببحر العرب والمحيط الهندى ودول آسيا والمحيط الهادى ويعبرها ما يقرب من 19000 سفينة سنويا.

دون وجود قناة السويس ستجبر الشحنات المسافرة بين تلك الأجزاء من العالم أن تعبر القارة الإفريقية بأكملها بمسافة تزيد بنحو 9.5 ألف كيلومتر مما يحمل السفينة المتوسطة تكاليف إضافية تصل إلى 300 ألف دولار.

والأخطر فى طريق رأس الرجاء الصالح تزايد عصابات القراصنة التى بدأت فى الصومال وامتدت إلى خليج غينيا.

والمؤكد أن السفن التى غيرت مسارها بسبب الحادث إلى طريق الهلاك تحمل سلعا مغرية للقراصنة «مثل نفط خام وحيوانات حية وسيارات كيا وحبوب غذائية» وهم يستعدون للاستيلاء على شحناتها واحتجازها وطلب فدية للإفراج عنها وعن طاقمها.

وبسبب تلك المخاوف تحملت السفن أجور أطقم أمن إضافية وزيادة فى التأمين عليها وطلبت فى الوقت نفسه من الأسطول الخامس حمايتها.

إن ما حدث للعالم بسبب الحادث يجدد الاعتراف بأهمية القناة وأخرست الثرثرة التى تكاثرت حولها بل اعتبر العالم أن القناة سلاح مؤثر فى يد مصر يمكنها به الضغط على إثيوبيا فى قضية سد النهضة بحرمان سفنها من العبور فى القناة.

ولكن صحيفة «شيكاغو تربيون» ترى أن مصر دولة راقية حضارية تحترم تعهداتها الدولية ولن تحرم دولة ما مهما كانت سلوكياتها من المرور فى القناة.

على أن درجة أهمية القناة مهما ارتفعت بالنسبة إلى العالم فإنها تسيطر على وجداننا لسبب آخر:

موت أكثر من 120 ألف مصرى من الجوع والعطش والسخرة فى سنوات حفرها.. تجمعت شرايينهم فى شريان واحد أوصل البحر الأبيض بالبحر الأحمر.

وجيل وراء جيل وحرب وراء حرب توسع الشريان بدماء الشهداء.

وفى ظهيرة يوم 6 أكتوبر 1973 كسر ربع مليون جندى مصرى قمقم الصبر وقفزوا إلى الضفة الشرقية للقناة لكى يستردوا للأمة العربية شرفها الضائع.

صححوا صورة المقاتل وثقبوا بالونات الغرور التى ارتفعت فى السماء بعد هزيمة يونيو واستطاعوا فى ساعات قليلة أن يجرحوا الذئب ويقتلعوا بعض أسنانه حسب وصف نزار قبانى ليوم العبور.

ليست القناة شباك تذاكر نقف خلفه وليست شاطئًا سياحيًا نتعلم السباحة فى مياهه وليست رحلة بحرية نتبادل فيها الصفافير مع السفن العابرة وإنما هى بعض من جيناتنا الوطنية التى توارثناها من أول ضربة فأس لحفرها إلى تعويم السفينة الجانحة حتى يستقر العالم من جديد.




Advertisements